عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

112

معارج التفكر ودقائق التدبر

( 2 ) ثمّ أنزل اللّه عزّ وجلّ في سورة ( القيامة / 75 مصحف / 31 نزول ) قوله مبيّنا بعض مراحل خلق الجنين ، مع تأكيد أنّ الذّكورة والأنوثة ترجعان إلى أصل التكوين في منيّ الذكر : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً ( 36 ) أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ( 37 ) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ( 38 ) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ( 39 ) . ( 3 ) ثمّ أنزل اللّه عزّ وجلّ قوله في سورة ( يس / 36 مصحف / 41 نزول ) الّتي يجري تدبّرها على ما يفتح اللّه به : سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ ( 36 ) . فأعلمنا في هذه الآية أنّ نظام الزّوجيّة في الكون ليس خاصّا بالنّاس ، ولا بالأحياء الأخرى الّتي نشهد نظامها الزّوجيّ ، بل هو نظام تخضع له النباتات أيضا ، وتخضع له أشياء أخرى لا نعلمها . وقد علم النّاس في عصرنا الحاضر منها عن طريق البحوث العلميّة القائمة على التجربة والملاحظة ، نظام الزّوجيّة في الذّرّات ، ونظام الزّوجيّة في الكهرباء ، فعرفنا الموجب والسّالب ، ونظام الزّوجيّة في المغناطيس . ( 4 ) ثمّ أنزل اللّه عزّ وجلّ في سورة ( الذّاريات / 51 مصحف / 67 نزول ) بيانا كشف فيه سنّته في كلّ ما خلق اللّه من شيء ، وأنّها قائمة على نظام الزّوجيّة ، فقال جلّ جلاله فيها : وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 49 ) . أي : نبيّن لكم هذه الحقيقة التّكوينيّة راغبين أن تضعوها في ذاكراتكم أيّها المتلقّون المتدبّرون ، فكلّما اكتشفتم وجود نظام الزّوجيّة في شيء جديد كان خفيّا عليكم ، تذكّرتم هذا البيان من تنزيل ربّكم في كتابه